علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

135

سيد قطب

--> - مجتمعة ، على بُعْد المسافات وبطء طريق الاتّصال في ذلك الزمان . . لقد اجتمع العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والأندونيسي والأفريقي . . إلى آخر الأقوام والأجناس ، اجتمعوا على قدم المساواة وبآصرة الحبّ وبشعور التطلّع إلى وجهة واحدة ، فبذلوا جميعاً أقصى كفاءاتهم ، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم ، وصبّوا خُلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة ، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلّق بربّهم الواحد ، وتبرز فيها ( إنسانيتهم ) وحدها بلا عائق . وهذا ما لم يتجمّع قطّ لأيّتجمّع آخر مدار التاريخ . لقد كان أشهر تجمّع بشري في التاريخ القديم هو تجمّع الإمبراطورية الرومانية مثلًا ، فقد ضمّت بالفعل أجناساً متعدّدة ولغات وألواناً وأرضين متعدّدة ، ولكن هذا كلّه لم يقم على آصرة ( إنسانية ) ، ولم يتمثّل في قيمة عليا كالعقيدة . لقد كان هناك تجمّع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلّها من ناحية ، وتجمّع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني بصفة عامّة وعبودية سائر الأجناس الأُخرى ، ومن ثَمّ لم يرتفع قطّ إلى أُفق التجمّع الإسلامي ، ولم يؤتِ الثمار التي آتاها التجمّع الإسلامي . كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمّعات أُخرى ، تجمّع الإمبراطورية البريطانية مثلًا ، ولكنّه كان كالتجمّع الروماني الذي هو وريثه ، تجمّعاً قومياً استغلالياً ، يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية واستغلال المستعمرات التي تضمّها الإمبراطورية ، ومثله الإمبراطوريات الأُوربية كلّها : الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية في وقتٍ ما ، والإمبراطورية الفرنسية . وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمّعاً من نوع آخر ، يتخطّى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون . ولكنّها لم تقمه على قاعدة ( إنسانية ) عامّة ، إنّما أقامته على القاعدة ( الطبقية ) ، فكان هذا التجمّع هو الوجه الآخر للتجمّع الروماني القديم ، هذا تجمّع على قاعدة طبقة ( الأشراف ) ، وذلك تجمّع على قاعدة طبقة ( البروليتاريا ) ، والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأُخرى . وما كان لمثل هذا التجمّع أن يُثمِر إلّاأسوأ ما في الكائن الإنساني ، فهو ابتداءً قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتمكينها باعتبار أنّ ( المطالب الأساسية ) للإنسان هي ( الطعام والمسكن والجنس ) ، وباعتبار أنّ تاريخ -